Monthly Archives: 5 مايو, 2020

خطوة نحو الحرية

انطلاقا من اليوم، وبعد شهر ونصف من الحجر الصحي، سمحت اسبانيا أخيرا للأطفال بالخروج أول مرة من منزلهم رفقة فرد واحد بالغ من الأسرة لشم الهواء واللعب قرب المنزل على أن لا يتجاوزوا ساعة في اليوم، وأن يبقوا بجوار مقر اقامتهم..

اسبانيا لحد الآن، وعلى عكس بلدانها الأوروبية المجاورة التي تسمح للأطفال بالخروج، وللكبار بالمشي أو الجري، كانت تنتهج حجرا جد صارم لكونها البلد الأكثر تضررا من الجائحة في العالم (بعد أميركا) ، فطول المدة الماضية كان ممنوعا منعا كليا أن يخرج أي طفل إلى الشارع، لهذا انتظرت الأسر كثيرا هذا اليوم…

من جانبي، لم أكن أنو الخروج اليوم، لكنني لم أستطع أن أصبر في البقاء بالمنزل ما دمنا نملك “خيااار” الخروج 😁..
شاهدت مع مازن الأخبار حتى يرى بنفسه أن الأمر رسمي، وأخبرته أنه يمكن لنا أن نخرج بدراجته بشرط أن لا يلمس أي شيء في الشارع..
سألني: “مشا فحالو الكورونافيروس؟”
أجبته أنه يغادر شيئا فشيئا، و أن الفيروس لن يقترب منا إن لم نقترب منه نحن..
كنت متخوفة من هذا اليوم، لأنني أخشى من أن يكون الخروج بحد ذاته مصدر توتر للطفل، في ظل الاحتياطات التي يجب أن نقوم بها.. أتذكر أن الأمر لم يكن ظريفا حين ظهر الفيروس وكنا لا زلنا لم ندخل تحت الحجر 😔..

ركب مازن دراجته ولبس خوذته ووضع حزامها السفلي فوق فمه وقال لي: “ماما شوف أنا لابس الماسك” 😂 وخرجنا..
كان سعيدا و أحسست أنه مرتبك أيضا..
كان يطبق كل ما أطلب منه من أن لا يلمس زر المصعد الذي لم يكن يقبل أن يضغط عليه أحد غيره، وأن لا يقترب من الناس..
لعبنا لعبة الجري، التي اكتشفت فيها أنني نسيت طريقة الجري 😂😂 لعبنا ثم تعثر مازن وسقط كما هو الحال دائما في اللعب، نهض في حينه، وأعطاني يديه اللتين لمس بهما الأرض وطلب مني أن أعقم يديه، فعلت ذلك وأنا جد متأثرة بتصرفه 🥰 وتابعنا اللعب …
كان يسألني في الطريق كعادته:
“ماما، ما هذا؟”
“ماما عقلتي كنا كنمشيو لهنا”
“ماما شوف وراق دالشجار طاحو فوق الطوموبيل”
“ماما، علاش البارك مسدود؟ جاو البوليس؟”
كنت أجيبه وأنا أخفي دموعي، أحسست بنعمة الخروج التي حرمنا منها مؤخرا وأهميتها بالنسبة للطفل..
ليست فقط من الناحية الجسمية والنفسية وإنما أيضا كوسيلة للتعلم..
فتعريض الأطفال للعالم الخارجي هو ما يجعلهم يطرحون الأسئلة حول ما يرونه ومايسمعونه ومايحسون به،
هذه الأسئلة التي تعتبر طريقتهم في التعلم و فهم ما يدور بهم.. لذلك، (وعلى عكس ما يقوم به بعض الآباء في المبالغة في إبقاء الأطفال في المنازل، لعدة أسباب كالجو البارد أو الممطر الذي قد يستمر نصف السنة، أو لأنهم لا زالوا صغارا، أو الخوف المبالغ فيه) من المهم والأساسي جدا في تربية الطفل، أن يخرجوا ويزوروا أماكن مختلفة، ويتعرضوا للمواقف التي نتعرض لها في الحياة اليومية فذلك يساعدهم على الوعي مبكرا بمحيطهم، وينمي ذكاءهم بصفة عامة ..
على أي، تابعنا جولتنا وقمنا بنشاط آخر اكتشف فيه مازن مفهوم “الصدى” فكان يغني ويسمع صدى صوته في الشوارع التي كانت تخلو من المارة.. وبعد أن مل من ذلك، سلكنا طريق العودة لتنتهي جولتنا الصباحية بتعليق طريف وجد مؤثر أيضا 😭:
“ماما، شوف هاد الشجرة مزييييونة خضراا، صورا صورا نوريوها لبابا 😍
الحبيب ديالي يقدر الجمال، ويفكر في أبيه 😍، و تذكرت أيضا أنه لم ير الأشجار منذ فصل الشتاء حين كانت لا تزال صلعاء بدون أوراق، لهذا أثار اهتمامه لونها الأخضر 💔

كانت جولة اليوم فرصة أخرى لنتذكر النعم التي كنا نغوص فيها قبل أن نحرم منها، نعمة المشي واللعب في الهواء الطلق، نعمة التأمل في الطبيعة والإستمتاع بألوانها وتضاريسها المختلفة، نعمة أن تسمع أصوات الأطفال في الشارع من نافذة بيتك، نعمة أن يعود شيء من الحياة إلى الشوارع..

فالحمد لله دائما وأبدا على نعمه، ورفع عنا الله هذا البلاء!

كتب في 27 أبريل