كتاب: يوما ما كنت إسلاميا

الكتاب عبارة عن رحلة مشوقة جدا في حياة الكاتب، جعلني فيها أعيش معه كل لحظة بكل جوارحي، غصت معه في بحر من النوستالجيا، غلبني الحنين لأشياء حتى بكيت وذكرني بأشياء كنت نسيتها فضحكت ملء فاهي وكأنني وجدت كنزا ثمينا .. قرأت الكتاب دفعة واحدة فتخبطت في مزيج من المشاعر دفعة واحدة أيضا.. ولأن هذه الدفعات لا بد أن يعبر عنها، كان لا بد أن أكتب هذه القراءة :D

مع أنني بصفة عامة لم أتفق مع الكاتب في الكثير من نظرته للأمور، لكن ما جعلني أنسجم مع الكتاب هو العديد من النقاط المشتركة، أولها: تقارب السن، هذه النقطة جد مهمة، كوني لم أقرأ من قبل لسيرة ذاتية لشخص في مثل سني، ولذلك قراءة السير الذاتية بالنسبة لي أشبه بقراءة تاريخية، قد أستحليها أحيانا، لكنني قطعا لن أعيش معها، كونها تحكي ذكريات لا تخصني، وتنتمي لفترة زمنية لم أكن ولدت فيها بعد..

ثانيها: كوني تربيت في بيئة “إسلامية”، لم يكن ذلك بالشكل الذي يصفه الكاتب حيث أنه بعد سن معينة كان يحس بأنه مختلف عن البقية، وحتى الآخرون كانوا يصفونه بـ”بتوع ربنا” .. لكن  تبقى هناك نقاط مشتركة كبيرة في التربية، أهمها القرآن، والأناشيد، والأدعية..

أما الأناشيد، فهي من أكثر ما أتحسر عليه، حين أرى أطفال اليوم وهم يتربون على إيقاع بوس الواوا وغيرها.. وأتذكر الأناشيد التي تربينها عليها بلغة عربية فصيحة، تتغنى البحر والطبيعة والأشجار وبديع الخلق،أذكر منها:

“أمام البحر قد وقف .. صبي يجمع الصدف.. وحين الموج بلله.. أحس البرد فارتجف”

“ما أجمل القمر.. في الليل اذ ظهر.. متبسما حلوا.. بين النجوم سرى..”

“عصفور فوق الشجرة.. أصبح يبحث عن ثمرة.. ثم بنى فيها عشا.. بطريقته المبتكرة..”

 تحكي عن الأم والأب والجدة والأصدقاء:

“جدتي جدتي.. حلوة البسمة.. لم يزل حبها .. ساكن المهجة..”

 وعن أهمية القراءة:

“اقرأ.. اقرأ.. كانت أول كلمة.. اقرأ باسم الله تعالى.. اقرأ واصعد نحو القمة..”

وعن الأخلاق الحميدة:

“الصدق من الايمان.. والصدق لنا عنوان.. وبه الأيام تطيب، وبه يسمو الانسان..” والكثير غيرها

في وصفه للأناشيد التي كان يسمعها الكاتب، كان الأمر مقتصرا على ما يبدو على الأناشيد الثورية، التي تتغنى عن فلسطين أو المقاومة أو الجهاد، أو عن الأمة.. ويحكي أنه حين سمع نشيدا يخلو من هذه المواضيع –ربما من طينة الأناشيد التي ذكرتها فوق- كان يحس أن هناك شيئا ينقصها.. عرف فيما بعد أنها لم تكن مؤدلجة..

بالنسبة لي، هذا الموقف والكثير من المواقف التي سيحكي عنها الكاتب فيما بعد – مثل أستاذة الفن اللطيفة التي كان يراها سيئة لأنها تضع أطنانا من مساحيق التجميل- هي بالضبط ما أؤاخذه على ما يسمى بالتربية “الإسلامية”، فمنع التلفاز –مثل حالة الكاتب- ، أو الاستماع الى نوع واحد من الأناشيد، أو ربط الصلاح والطلاح بصورة واحدة.. هو ما يجعل هذه التربية تربية مقوقعة أبعد ما تكون عن التربية السليمة، يكون عنوانها ” نحن، في واد، والأخرون “الأشرار” في واد آخر” حيث يكبر الطفل ويجد في العالم الخارجي عالما مختلفا عن ما تربى عليه في المحيط الصغير، قد تمر الأمور بسلاسة بالنسبة للبعض ، لكنها قد تشكل بالنسبة للبعض الآخر صدمة لا يعرف كيف يواجهها التي قد تنقلب الى ردود فعل عكسية فيمابعد.

بعد الطفولة يحكي الكاتب عن أولى الكتب التي قرأها وأثرت فيه، عن مواقفه الجريئة والاندفاعية في المدرسة وغيرها..  مواقف جد مسلية، تضحك فيها ملء فاهك على ردود أفعال ذاك الطفل البريئة والثورية في آن واحد، والراغبة في الإصلاح و”الخير للأمة”، وتذكرت فترة معينة في طفولتي حين كنت أتخيل نفسي أنني رسولة لله، أرسلني لأهدي الناس وأخرجهم من الظلمات إلى النور..

عشت مع الكاتب أيضا كل المراحل “الالكترونية”، من جهاز الكمبيوتر القديم الذي كنا نلعب فيه المسابقات الثقافية، التي كنا نشتري أقراصها المدمجة من المعرض الدولي للكتاب، إلى عصر المنتديات، ثم إلى عصر المدونات..

ومن بين أكثر الأشياء التي أحببتها، هو ذلك التعلق بالقضية الفلسطينية التي تربينا عليها، واعتبرناها منذ الأبد قضية الأمة الأزلية التي لن تزول إلا بتحريرها، حسدت الكاتب على زيارته لفلسطين، وحطم قلبي حين كان يحكي عن استشهاد أحد قادة المقاومة هناك..

يحكي الكاتب بعدها عن الثورة وأجواءها، ولا يمكن أن تقرأ هذا الجزء بدون أن تتحسر على حال مصر الآن وتتذكر مجزرة رابعة، وترى السيسي الآن على رأس مصر، و كأن شيئا لم يكن….

يختم الكاتب بفقرة أخيرة بعنوان: ماذا حدث للإسلاميين؟

حيث صدم بعد الثورة أنه لم ير تطبيقا لكل التنظيرات التي كانوا يغنون بها ليل نهار من قبل.. ولم يعد يرى “الإسلاميين” بالصورة التي كانوا عليها من قبل، ويبدو من خاتمة الكتاب أن الكاتب لا زال متعلقا بالصورة المثالية التي يراها هو للإسلاميين، والتقليدية أيضا،  فمع أنه صرح أنه من التغييرات ماهو إيجابي وماهو سلبي، إلا أن الكثير مما يعتبره سلبيا هو مجرد نوستالجيا لا أقل ولا أكثر، أما التغيير فهو سنة الحياة، وكل تيار يعرف تطورات تختلف من جيل لأخر لتواكب كل الأجيال، كل على حسب خصوصياتها.

عبر أنت أيضا ..

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: