ترتيب أولويات !

حين كنت صغيرة، كنت أحلم أن أكون مخترعة.. لا حبا في الاختراع ولا في الفيزياء ولا في العلوم..

فقط لأنني كنت مهووسة بفكرة أن أعطي شيئا للعالم .. ولا شيء كان يرعبني أكثر من أمرّ في هذه الدنيا مرور الكرام..

كنت بريئة جدا، وربما لا زلت، كنت أعيش تحت وقع صدمات سنة بعد أخرى، وأتساءل كيف للناس أن تعيش طبيعية في هذا العالم المليئ بالظلم واللامساواة و العبودية، كيف للناس أن يغمض لها جفن في ظل هكذا ظروف.. كنت حين أعبر عن امتعاضي بحماس شديد وقوة كبيرة في التغيير، يسخر الناس من براءتي.. بينما كنت أنا أستنكر لامبالاتهم..

بكيت حتى كاد أن يخرج عقلي وأنا طفلة في الابتدائية لأن المعلمة ظلمتني وأعطتني 8 على 10 عوض العلامة الكاملة، خرجت وثرت في ساحة المدرسة وأضربت عن الدراسة وأنا طفلة في الاعدادية حين هددت أمريكا بالدخول إلى العراق، دعيت كل مرة في سجودي أن ينصر الله فلسطين، ويدمر اسرائيل..

آمنت أن هذه الحرقة التي بداخلي لا بد أن تنتج شيئا ولا بد أن يكون لي يد في التغيير.

كبرت قليلا، ووجدت أن حال بلدي أسوء من فلسطين، فوجهت كل اهتمامي لبلدي، لم يكن لي غير سلاح واحد وهو القلم، كانت المدونة فضاء حرا أحببته فأدمنت الكتابة .. سبيت الحكام، و كتبت عن المعتقلين، حفظت أشعار مطر، وأدمنت مقالات الماغوط ..

بعدها اكتئبت فلم أعرفني، فغيرت استراتيجيتي، وقررت أن أجعل من كل تلك الشحن السلبية طاقة ايجابية. دخلت الجامعة، و دهشت كم هي مجتمع مصغر للعالم، وآمنت أن التغيير منها يبدأ.. فكان شعارنا في الـ BDE “من أجل كلية أفضل” أول درجة في سلم الحلم: من أجل مغرب أفضل.. ومن أجل عالم أفضل..

وفي غمرة حماسي وعملي، اكتشفت أن المجتمع لا يقبل أن تحمل فتاة هذه الأحلام، لأن مكاني هو البيت، و مصيري هو الزواج والانجاب، فابتسامتي دعوة للتحرش، وضحكي قلة حياء، ووقوفي فوق خشبة المسرح فتنة، و انفتاحي على الناس انحلال، وصداقاتي مع الجنس الآخر وصمة عار على الجبين ..

كانت قوانينهم تحت غطاء التقاليد والمجتمع، فكفرت بهم.. أو تحت غطاء الدين الذي أحب.. فكفرت بهم أكثر وأكثر..

وهكذا تحولت اهتماماتي وانشغالاتي من العالم والسياسة والحروب، إلى المجتمع والأسرة والدين والمرأة.. فمجتمع يلغي نصفه هو مجتمع معوق لا يستطيع أن يقوم، ومجتمع لم يفهم دين الله، أنى له بأن يفهم الحياة..

يحركني في كل هذا نقطتي ضعف، أستمد منهما كل القوة: رفض الظلم ورفض العبودية. ومن يعرفني يعلم جيدا أن لي تقديسا خاصا لـهذين المفهومين: الحرية والعدل ..

ولأنني في النهاية لست إلا أمة ضعيفة، تنهكني هذه الأحلام.. لأنها لا تخصني وحدي.. بل تخصنا جميعا.. وهي فعلا أكبر مني.. تمنيت كثيرا أن أقتل أحاسيسي.. أن أعيش مخدرة.. لكنني لم أستطع.. لأن هدفي في الحياة ليس منزلا وأطفالا وسيارة.. حياتي أعتبرها رسالة، وكما درسنا في درس التواصل، فلكل رسالة مرسل ومتلقي. و في غياب المتلقي، طبيعي أن أحس بالفشل أحيانا..

أتذكر الأغنية القائلة :

“حلمنا نهار، ونهارنا عمل..

نملك الخيار، وخيارنا الأمل.. “

وأتساءل مدى صحة هذا الاختيار.. الأمل..

ثم أقتنع أنه ليس خيارا، قد يكون أملا زائفا أو كذبا، لا يهمني،ببساطة هو السبيل الوحيد .. ببصيص الأمل هذا أستمر في العيش، وبدونه.. رحمني الله!

عبر أنت أيضا ..

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: