تسريبات :اختلفت الوسائل والغش واحد

634_526346894079092_1725364248_n

قبل أسابيع ، بينما أنا أقرأ رواية  Eat, Pray, Love  للكاتبة إليزابيث جيلبرت ، توقفت على مقطع محمله أن كل مدينة لها كلمة مفتاحية ، كلمة مركزية تلخص المدينة من كل جوانبها ، منشآتها، سكانها ، ثقافة قاطنيها ، أهدافهم التي يسعون إليها في حياتهم .. فتساءلت عن الكلمة المركزية التي تدور حولها مدينة طنجة ، أو بصفة عامة بلد المغرب ..

هذه الأيام ، بدأت تتجلى لي بوضوح الكلمة المفتاحية التي يتمحور حولها المغرب: الغش ، أجل الغش

كل شيء هنا مبني على الغش أو له علاقة من قريب أو من بعيد بالغش..

 ليس من الصعب استنتاج أن هذا الرأي هو ردة فعل و نتيجة لما يحصل مؤخرا في اختبارات البكالوريا من تسريبات ، تسريبات يشترك في إعدادها عدة أطراف يقومون بعملياتهم دون أدنى حرج يذكر ، وكأنه حق مكتسب ، ولا يمكن لهذا إلا أن يكون نتيجة لثقافة متأصلة للغش في عقول مجتمع ألف الغش منذ نعومة أظفاره .. مجتمع تهمه الغاية كيف ما كانت الوسيلة ، فماذا تنتظرون من طفل لا يهتم والداه إلا بعدد في أسفل ورقة صفراء يصطحبها التلميذ معه في آخر السنة الدراسية نطلق عليها اسم ” النتيجة ” ، و ” المعدل العام”، كي لا يكون معدل ابن عمته أو ابنة خالته ، أو ابن الجيران  أعلى منه ، كي تقول الأم مفتخرة : “شتي أنا وليدي جاب 8 فالمعدل ..ّ فتترسخ ثقافة النتيجة في ذهنه منذ ذلك السن ، و يسعى بشتي الوسائل على الحصول على تلك النقطة، فتبدأ قصة الغش مع أول اختبار فعلي للذاكرة ألا وهو جدول الضرب ،  عندما يصطحب معه دفتر الفهد أو غيره الى يوم الامتحان،تلك الدفاتر الذي تحتوي صفحاتها الأخيرة على جدول الضرب بكامله، ويتذكر صعوبة حفظ جدول مكون من 9 سبورات تخيل إلى عقله الصغير وكأنها تحتوي أرقام العالم كلها ، ويقارن ذلك بلذة الحصول على علامة جيدة بدون أي أدنى مجهود يذكر ، فتبدأ قصة الادمان على الغش ، لتختلف بعدها الوسائل : بين تلميذ في الابتدائية يرشي صديقه المجتهد بدراهم يشتري بها “شي حاجة” ، لكي يساعده وسط الاختبار ، إلى تلاميذ في الاعدادية يقومون بتصغير المطبوعات ودسها في جيوبهم ، إلى تلميذات يستخدمن أجسادهن لتخبئة الحروز ، و طالبات يلبسن غطاء الرأس يوم الامتحان ليخفين سماعات الأذن تحته و يستمعن إلى أجوبة الاختبار بدون أي مجهود يذكر، إلى طلاب جامعة تخطوا الطرق التقليدية للغش، وحبكوا علاقات مصالح مع أصدقائهم “الغشاشين” من الإداريين و الأساتذة  الذين باعوا ضمائرهم بأبخس الأثمان، وكونوا شبكة يذهب ضحيتها “الناس الغلبانة” التي تسهر الليالي في الدراسة والبحث والحفظ ، ودخلوا الماسترات و جلسوا في مقاعد غيرهم دون أن يحسوا بأي تأنيب ضمير..

ثم يتخرج الطالب المغربي “الناجح” – ماشاء الله عليه -، يبحث عن عمل و هو يدندن ” حياتي كاملة مشات فالقراية وماجبارتش الخدمة ” و ينسى أو يتناسى أنه يكذب على نفسه، فيلعن الدولة التي لم تتح له وظيفة: ” عا بلعا دالشفارة” و لا تستغرب إن سألته عن الوظيفة التي يسعى إليها ، إن أجابك بـ: ” شي حاجة ماتكونشي فيها الخدمة بزاف ويكون الصاليغ مزيون” ويبني كل طموحاته على هذا الأساس ، فيبحث عن الوظائف التي قد يصل إليها باستعمال الواسطة أو بالتوظيف المباشر، أو أي شيء لا يخضع لاختبار للمكتسبات ، و يستهدف الوظائف التي لا مراقبة فيها  ، “السيد باغي يفيق على خاطرو فـال 10 دالصباح ويخرج فوقاش ما بغا” ليس لأنه لا يستطيع العمل لساعات متواصلة ، بل فقط لأنه يريد أعلى النتائج بأقل مجهود ، فهكذا تجري الأمور بالنسبة إليه..

ثم يتساءل ويشتكي بعدها ، علاش غشوه فالسلعة ، وعلاش داك الشقة اللي فسد فيها الفلوس طلعت مغشوشة ، وعلاش الطريق كيف كيعدلوها كتعاود تتحفر ، وعلاش فالادارات كيديونا ويجيبونا وعلاش وعلاش .. وينسى أنهم ببساطة يفكرون مثله بالضبط  ، فلا تهم الوسيلة ما دام الهدف قد تحقق ..

فإلى أولئك الذين يساندون و يدافعون عن تلاميذ البكالوريا ” الغشاشين” و يتحججون بقولهم ” بقاو لكم غير التلامذ مساكن ، و الغشاشين الكبار ماكيحاسبهم حد” إلى هؤلاء أقول :

تذكروا أن غشاشي باكالوريا اليوم ، هم نفسهم غشاشو المغرب غدا .

سيرين الهاشمي

عبر أنت أيضا ..

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: